الجنيد البغدادي
159
رسائل الجنيد
كتاب الجنيد إلى عمرو بن عثمان المكي رحمهما اللّه تعالى « 1 » أوتيت من العلم والحكمة أعلى منازله وتناهيت من الرسوخ في المعرفة إلى غاية أماكنها ، وأدنيت في مجالس القرب إلى أزلف مواطنها وتبوئ بك من كمال جوامع الأنباء إلى استيعاب معالمها فجرى ذلك لك بالتمكين وأنت مستبصر وعلوت في سمو انتهائه مشرفا مستظهرا قد تضمنته بقوة الاشتمال عليه فأفضوا « 2 » إليك واستغنيت عن السعاية إليه بمنيعة صولة التمكين ، لأنك ذلك كله بواضح الحق مستبين ، ولأنك فيما اختلفت فيه من العلم على صحة اليقين ، وجعلك اللّه مع ذلك من سعد به إخوانه ، ونالوا البغية من العلم بوصفه وبيانه وانكشفت لهم الحقائق المشفية ، من تعبير لسانه ، وأنس منهم من غاب أو حضر بشرف مكانه بل جعلك اللّه نورا يملأ بسنا ضيائه الخافقين ويلوح مضيئا طالعا على سائر الثقلين فينال عند ذلك كل فريق منهم حظه الكامل ويصل إلى مراده الشامل الفاضل حتى تكون هذه الظواهر أموره التي ألبسها وبوادي أحواله التي أريد بها وقد نظر فيها ، فوقفت به الضنة عن ظهوره وتضمنه الصون والحجبة والكتم عن حضوره وذلك سر تضل العقول عن الإشارة إليه ، وتنقطع الفهوم عن شيء من المورود عليه . هيهات ، هيهات طمست عن ذلك أطواق كوامل العلماء وضلت عنه مقاليد أكابر الفهماء فهو في تفرد توحده على ويعزل قيومته تجرده ، فكم من مومئ إليه بتوهمه ، ومن مظهر التحقق به بالطيب عنده أن يعرض لينطق به تلجلج لسانه وتحير عند الإيماء به
--> ( 1 ) من رسائل في التوحيد والتصوف ، معهد المخطوطات العربية ، برقم 396 تصوف ، 227 تصوف ، 135 تصوف ، 134 توحيد وعمرو بن عثمان المكي وهو عمرو بن عثمان بن كرب بن غصص ، وكنيته أبو عبد اللّه كان ينتسب إلى الجنيد في الصحبة ولقي أبا عبد اللّه النباجي وصحب أبا سعيد الخراز وغيره من المشايخ القدماء . وهو عالم بالأصول وله كلام حسن مات ببغداد سنة إحدى وتسعين ومائتين ، ويقال : سبع وتسعين والأول أصح . طبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن السلمي ، ص : 200 - 210 ، وانظر أيضا : ترجمته في حلية الأولياء ، الجزء العاشر ، ص : 291 - 296 ، وطبقات الشعراني ، الجزء الأول ، ص : 104 ، والرسالة القشيرة ، ص : 28 ، وشذرات الذهب ، الجزء الثاني ، ص : 335 . ( 2 ) في ط : فأفضى .